القرطبي
246
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال ، على ما يأتي . الخامسة - اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له ، فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ، ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس ؟ ونحوه عن سلمان الفارسي . وروى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد ! فإنه مزن قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس . وكرهه الأوزاعي وأحمد وإسحاق . ورخص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي . وروي عن علي رضي الله عنه أن ابن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال ؟ قال نعم ، ثم حض الناس على الصدقة على ، فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي ، فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب . وقد روي عن مالك كراهة ذلك ، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها . والحجة في السنة لا فيما خالفها . روى الأئمة عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت على بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين ، كل سنة أوقية ، فأعينيني . . . الحديث . فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شئ معه ، ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها ، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا ، كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ، أخرجه البخاري وأبو داود . وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة ، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب ( 1 ) أو مال ، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه ، لأنه بعث مبينا معلما صلى الله عليه وسلم . وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى : " إن علمتم فيهم خيرا " أن المال الخير ، ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة . والله أعلم . السادسة - الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنجم ، لحديث بريرة . وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله . فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت
--> ( 1 ) وصب الشئ : دام .